محمد أبو زهرة

3751

زهرة التفاسير

جاعل العذاب من نوع آخر ، يستبقى الأطهار ولا يستأصل الأشرار لأنه يكون من أصلابهم من يعبد اللّه ويجاهد في سبيله ، ألم يجعل من أصلابهم قادة مجاهدين ، فكان من أصلابهم خالد بن الوليد ، وعكرمة بن أبي جهل ، وغيرهما من القادة المجاهدين . ووصف أخذ القرى بأنه يأخذها وهي متلبسة بظلمها ، تحمل في نفسها موجب عذابها . وإن هذه الإنذارات يتعظ بها وينزجر من يؤمن بالآخرة ، ويخاف مقام اللّه فيها ، ولذا قال : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( 103 ) . الإشارة في قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً للمذكور من أنباء قوم نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب الآية ، أي لدلالة واضحة على قدرة اللّه تعالى ، وإن خوارق العادات فيها دلالة على إرادة الخالق ، وأنه فاعل مختار ، وأنه قادر على الإعادة كما بدأ الخلق ، وأن قدرته ليست بقدرة البشر ، وإنها ليست مرتبطة بالأسباب والمسببات كالعباد بل فوق كل شئ ، وأنه خالق الأسباب والمسببات ، ولكن لا يدرك هذه الآية إلا من سلمت نفسه من آفات الشك والشرك ، وآمن باليوم الآخر ، ولم تكن الحياة الدنيا خلب كبده « 1 » ، وكل شئ في حياته ، ولذا قال : لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ومن يخاف الآخرة يؤمن باليوم الآخر وأن بعد هذه الحياة الدنيا حياة آخرة هي الحياة الحقيقية التي يكون فيها البقاء ، ويؤمن ثانيا بأن الحياة الآخرة فيها العذاب فيخافه ؛ لأنه محاسب على ما قدمت يداه . وليس المراد أن هذه آية فقط لهؤلاء الذين يؤمنون باليوم الآخر ، ويوم الحساب ، ولكن المراد أن الذين يدركون هذه الآية من استقامت نفسه ، وعقله وقلبه

--> ( 1 ) والخلب ، بالكسر : لحيمة رقيقة تصل بين الأضلاع ، أو الكبد ، أو زيادتها ، أو حجابها ، أو شئ أبيض رقيق لازق بها . القاموس المحيط - فصل الخاء .